ابن عربي

300

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

الصور بأبصاركم إلى ما تعطيه تلك الصور من المعاني والأرواح في بواطنكم ، فتدركونها ببصائركم ، فأمر وحث على الاعتبار ، وهذا باب أغفله العلماء ولا سيما أهل الجمود على الظاهر ، فليس عندهم من الاعتبار إلا التعجب ، فلا فرق بين عقولهم وعقول الصبيان الصغار ؛ فهؤلاء ما عبروا قط من تلك الصورة الظاهرة كما أمرهم اللّه ، وإذا ارتقى الإنسان في درج المعرفة علم أنه نائم في حال اليقظة المعهودة ، وأن الأمر الذي هو فيه رؤيا إيمانا وكشفا ، ولهذا ذكر اللّه أمورا واقعة في الحس وقال : « فَاعْتَبِرُوا » وقال : ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً ) أي جوزوا واعبروا مما ظهر لكم من ذلك إلى علم ما بطن به وما جاء له ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ] ولكن لا يشعرون ، ولهذا قلنا : إيمانا ، فالإنسان في الدنيا في رؤيا ولذلك أمر بالاعتبار ، فإن الرؤيا قد تعبر في المنام ، فإذا كان بلسان الصادق صلّى اللّه عليه وسلّم الحس خيالا والمحسوس متخيلا ، وجعلك نائما في الحال الذي تعتقد أنك فيه صاحب يقظة وانتباه ، فإذا كنت في رؤيا في يقظتك في الدنيا ، فكل ما أنت فيه هو أمر متخيل مطلوب لغيره ، ما هو في نفسه على ما تراه ؛ فاليقظة والحس الصحيح الذي لا خيال فيه في النشأة الآخرة ، ولذلك قال تعالى : « فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ » أي جوزوا مما أعطاكم البصر بنوره مما أدركه من المبصرات وأحكامها إلى ما تدركونه بعين بصائركم شهودا ، وهو الأتم الأقوى ، أو عن فكرة وهو الشهود الأدنى عن المرتبة العليا ، وكلاهما عابر عما ظهر إلى ما استسرّ وبطن ، فهم أولو أبصار بالاعتبار في مخلوقاته . واعلم أن أهل الاعتبار يكون منهم أصحاب أذواق ، ويعتبرون عن ذوق لا عن فكر ، وقد يكون الاعتبار عن فكر ، فيلتبس على الأجنبي بالصورة ، فيقول عن كل واحد إنه معتبر ومن أهل الاعتبار ، وما يعلم أن الاعتبار قد يكون عن فكر وعن ذوق ، والاعتبار في أهل الأذواق هو الأصل ، وفي أهل الأفكار فرع ، وصاحب الفكر ليس من أهل الإرادة إلا في الموضع الذي يجوز له الفكر فيه إن كان ثمّ ما لا يمكن أن يحصل الأمر المفكّر فيه إلا به - بفتح الكاف - فحينئذ يأخذه من بابه ، وهل ثمّ أمر بهذه المثابة لا يمكن أن ينال من طريق الكشف والوجود أم لا ؟ فنحن نقول : ما ثمّ ، ونقول : إن الكشف أتم في التحصيل ، لأن الكشف يعيّن لك العلة على خصوصها ، والاعتبار الفكري يجملها لك من غير تعيين ، أو يخرج عللا محتملة . [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 3 إلى 5 ] وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ ( 3 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 4 ) ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ ( 5 )